من تجربة مبكرة في الصناعة إلى تأسيس الشركات وتطوير الأعمال والاستشارات

رحلة مهنية بدأت من أرض مصنع صغير، وامتدت عبر قطاعات وأسواق ودول متعددة، حتى تحولت الخبرة التنفيذية المتراكمة إلى منهج متكامل في تطوير الأعمال وصناعة القرار الاستثماري.

البداية المبكرة داخل مصنع تعبئة المواد الغذائية
01

البداية

بدأت قصتي مع عالم الأعمال في سن مبكرة؛ فقد نشأت في بيت كان العمل التجاري جزءًا من تفاصيله اليومية. ولدت لأب يعمل مديرًا للمبيعات في عدد من كبرى الشركات الإقليمية، وكان يتميز بقدرة كبيرة على الإقناع والتفاوض وبناء العلاقات مع العملاء. ومن خلاله تعلمت مبكرًا أن النجاح في الأعمال لا يعتمد فقط على المنتج أو السعر، بل على فهم احتياجات الناس، والقدرة على تقديم القيمة، وبناء الثقة، وإدارة الحوار بطريقة تقود إلى القرار.

كانت هذه البيئة أول مدرسة حقيقية لي في عالم الأعمال، قبل أن أبدأ أي دراسة أكاديمية أو أتولى أي منصب رسمي. فقد كنت أراقب طريقة التفكير، وأستمع إلى النقاشات المتعلقة بالمبيعات والعملاء والأسواق، وأتعلم كيف يمكن للكلمة المقنعة، والمعلومة الصحيحة، والتوقيت المناسب، أن تصنع فارقًا حقيقيًا في نتائج أي نشاط تجاري.

أول ابتكار وتحويل مخلفات السكر إلى فرصة
02

البداية العملية في مصنع تعبئة المواد الغذائية

في عام ١٩٩٧، كانت بدايتي في عالم الأعمال والتجارة، حيث أسست عائلتي في عام ١٩٩٦م شركة صغيرة متخصصة في تعبئة وتغليف المواد الغذائية، امتدادًا لنشاط محلات تجارة المواد الغذائية. بدأت الشركة بإمكانات محدودة، لكنها استطاعت خلال فترة لم تتجاوز ثلاث سنوات أن تحقق نموًا سريعًا، وأن تنتقل من مشروع صغير إلى شركة تعمل بحجم أعمال أكبر، وتنفذ تعاقدات لتعبئة المواد الغذائية لصالح جهات حكومية.

كنت في ذلك الوقت لم أتجاوز السابعة عشرة من عمري، ومع ذلك شاركت في العمل داخل الشركة كأحد المشرفين الإداريين على العمال والإنتاج. كنت أتابع سير العمل، وأراقب عمليات التشغيل والتعبئة، وأشارك في تنظيم العمالة، والتأكد من تنفيذ المستهدفات اليومية والشهرية.

في ذلك الوقت لم تكن خطوط الإنتاج الأوتوماتيكية منتشرة بالشكل الذي نراه اليوم، ولذلك كانت عمليات التعبئة والتغليف تتم بصورة يدوية وتقليدية، وتعتمد على كثافة العمالة لتلبية الطاقة الإنتاجية المطلوبة. وكان هذا الأسلوب يؤدي بطبيعته إلى ارتفاع نسبة الهدر، خاصة في تعبئة السكر، حيث كانت كميات منه تتساقط على الأرض وتختلط بالأتربة، فلا يمكن إعادتها إلى عملية التعبئة لأنها تصبح غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

تكرار هذا الهدر دفعني إلى التفكير في كيفية الاستفادة منه، بدل التعامل معه باعتباره خسارة نهائية. كان لدي صديق يمتلك أرضًا زراعية ويعمل في تربية النحل، فاقترحت عليه استخدام السكر المهدَر في إعداد محلول لتغذية النحل.

في البداية أخبرني أن شراء كميات كبيرة من السكر لهذا الغرض سيجعل التكلفة مرتفعة، فأوضحت له أنه لن يشتري السكر بالسعر التجاري، بل سيحصل على هدر السكر الناتج من مصانع التعبئة بتكلفة أقل بكثير.

وبالفعل، نجحت في إقناعه بالفكرة، وتم بيع كامل الكميات المتراكمة من هدر السكر إليه. كانت هذه أول صفقة تجارية حقيقية أشارك في ابتكارها وتنفيذها، لكنها كانت بالنسبة لي أكثر من مجرد عملية بيع. فقد تعلمت منها أن رائد الأعمال لا ينظر إلى المشكلة بوصفها خسارة نهائية، وإنما يبحث داخلها عن فرصة، ويعيد توظيف الموارد المهملة بطريقة تخلق قيمة لجميع الأطراف.

ومنذ ذلك الوقت بدأت تتكون لدي قناعة راسخة بأن عالم الأعمال لا يقوم فقط على تنفيذ النماذج التقليدية، بل على القدرة على التفكير بعمق، وفهم المشكلات، وابتكار حلول عملية لها.
الأزمة الأولى والتفكير في استعادة التشغيل والنمو
03

التجربة القاسية الأولى

بعد نحو ثلاث سنوات من النمو السريع، تعرضت الشركة لأزمة كبيرة كانت خارجة عن إرادة الإدارة التنفيذية في ذلك الوقت، وانتهت بتوقف النشاط وإغلاق الشركة.

كانت تجربة الإفلاس وفقدان المشروع من أصعب التجارب التي مررت بها في بداية حياتي المهنية، لكنها كانت أيضًا من أكثر المحطات تأثيرًا في تكوين وعيي الإداري. فقد أدركت مبكرًا أن سرعة النمو وحجم المبيعات لا يكفيان وحدهما لضمان استمرار الشركات، وأن أي مشروع يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الإدارة المالية، والتخطيط، وإدارة المخاطر، والرقابة، والقدرة على التعامل مع الأزمات والمتغيرات المفاجئة.

كما تعلمت أن النجاح في أوقات الرخاء لا يكشف وحده عن قوة الإدارة، وإنما تظهر الكفاءة الحقيقية في طريقة التعامل مع الضغوط والخسائر والقرارات الصعبة.

ورغم قسوة التجربة، فإنها لم تكن نهاية الرحلة، بل كانت بداية مرحلة جديدة من التعلم والاحتكاك المباشر بالسوق.

عشر سنوات من التعلم والتنقل بين القطاعات والدول
04

عشر سنوات من التنقل والعمل والتعلم

بعد إغلاق الشركة، اضطررت إلى الخروج إلى سوق العمل وخوض تجارب متنوعة. وخلال نحو عشر سنوات، تزامنت مع فترة دراستي الجامعية وما بعدها، عملت في مجالات وقطاعات متعددة، وسافرت إلى عدد من الدول، واكتسبت خبرات متنوعة في الإدارة، والتجارة، والمبيعات، والتسويق، والتقنية، وخدمة العملاء، وإدارة العمليات، وغيرها من المجالات.

لم يكن هذا المسار مخططًا له بصورة مسبقة، لكنه منحني خبرة عملية واسعة يصعب اكتسابها من خلال العمل في قطاع واحد أو بيئة واحدة. فقد تعاملت مع أنماط مختلفة من العملاء، وتعرفت على أسواق متعددة، وعملت مع ثقافات وبيئات عمل متنوعة، وتعلمت كيف تختلف طبيعة الإدارة والبيع والتشغيل من نشاط إلى آخر.

كما أتاحت لي هذه المرحلة فرصة ملاحظة نماذج إدارية مختلفة، وأساليب متنوعة في قيادة فرق العمل، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، وهو ما ساعدني على بناء رؤية عملية شاملة حول طبيعة الشركات وآليات نموها وتعثرها.

وكان تخصصي الجامعي مرتبطًا بالبرمجة وتقنية المعلومات، وبدأت مسيرتي المهنية من هذا المجال، إلا أن الخبرة العملية كشفت تدريجيًا عن اهتمامي وقدراتي الأكبر في الإدارة وتطوير الأعمال. ومع إثبات قدرتي على تنظيم فرق العمل، وتحسين العمليات، وتحقيق النتائج، بدأت أتحول تدريجيًا من العمل الفني والتقني إلى العمل الإداري والتنفيذي.

تجربة الإدارة وتطوير الأعمال في دولة الإمارات
05

الإمارات: نقطة تحول في المسيرة المهنية

انتقلت خلال هذه المرحلة إلى عدد من الدول، ثم استقر بي المسار في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي كانت محطة فارقة في حياتي المهنية.

في الإمارات، توليت إدارة شركة متخصصة في تجارة أجهزة الكمبيوتر، ثم انتقلت لاحقًا لإدارة شركة تعمل في مجال الإعلان والتسويق. وقد منحتني هذه التجارب فرصة العمل في بيئة أعمال أكثر احترافية وسرعة، وربط الجوانب التجارية والتسويقية والتشغيلية والإدارية ببعضها.

تعاملت بصورة مباشرة مع تحديات المبيعات والتوسع، وإدارة الموارد، وبناء فرق العمل، ومتابعة الأداء، وتحقيق المستهدفات، والتعامل مع عملاء وأسواق متنوعة. وكانت هذه المرحلة مهمة في ترسيخ قدراتي القيادية، وتوسيع فهمي لكيفية إدارة الشركات في بيئات تنافسية ومتغيرة.

تأسيس الشركة الخاصة وقيادة فريق العمل
06

تأسيس شركتي الخاصة

بعد ذلك اتجهت إلى العمل الحر، وأسست شركتي الخاصة المتخصصة في التجارة والاستيراد.

ومنذ تلك المرحلة، أصبحت رحلتي المهنية تسير في مسارين متكاملين: الأول يتمثل في بناء وتطوير أعمالي الخاصة، والثاني في تولي مناصب إدارية وتنفيذية داخل شركات ومشروعات أخرى.

خلال هذه الرحلة تقلدت عددًا من المناصب، من بينها مدير مبيعات، ومدير رقابة ومتابعة، ومدير تنفيذي. كما شاركت في قيادة عمليات تطوير وتحسين الأداء داخل شركات تعمل في قطاعات مختلفة.

وقد أتاح لي الجمع بين إدارة مشروعي الخاص والعمل في مناصب تنفيذية داخل شركات أخرى رؤية أوسع لطبيعة الإدارة؛ إذ كنت أتعامل مع المشروع من زاوية المالك، ومن زاوية المدير، ومن زاوية المسؤول عن النتائج والرقابة والتطوير.

وفي الوقت نفسه، حرصت على تطوير نفسي بصورة مستمرة من خلال حضور المؤتمرات والندوات والملتقيات الاقتصادية والإدارية، والمشاركة في الدورات التدريبية، والاطلاع على أحدث الممارسات في الإدارة والتسويق وتطوير الأعمال.

كنت أؤمن دائمًا أن الخبرة العملية تحتاج إلى تحديث مستمر، وأن المدير الذي يتوقف عن التعلم يفقد تدريجيًا قدرته على فهم السوق واتخاذ القرار.

الأزمة الثانية وإعادة الهيكلة ووضع خطة انطلاق جديدة
07

الأزمة الثانية وإعادة هيكلة شركتي

بعد سنوات من العمل، مررت بتجربة أخرى قاسية تتعلق بشركتي الخاصة.

فبعد أن تفرغت بالكامل لإدارتها وتطويرها، شهد العالم سلسلة من المتغيرات الاقتصادية والتقلبات التي أثرت بصورة مباشرة في العديد من القطاعات والشركات. ولم تكن شركتي بعيدة عن هذه التأثيرات.

كانت الشركة قد وصلت إلى حجم أعمال كبير، واتسع فريق العمل، وأصبحت هناك منظومة تشغيلية وإدارية أكبر. لكن التغيرات الاقتصادية أدت إلى أزمة مالية وتشغيلية حادة، انعكست على حجم الأعمال والسيولة والقدرة على الحفاظ على نفس معدلات التشغيل.

لم تصل الشركة إلى مرحلة الإغلاق، لكنها مرت بهبوط حاد فرض عليّ إعادة التفكير بصورة جذرية في نموذج العمل، وهيكل التكاليف، وأساليب الإدارة، وأولويات الإنفاق، والقطاعات التي نعمل بها.

بدأت مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة، وترشيد التكاليف، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وإعادة ترتيب الأولويات، وتطوير السياسات الداخلية، وبناء نموذج أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات.

وقد تعلمت من هذه التجربة الكثير. تعلمت أن نمو الشركة قد يتحول إلى عبء إذا لم تواكبه إدارة مالية وتشغيلية قوية، وأن زيادة عدد الموظفين وحجم العمليات لا تعني بالضرورة زيادة القوة، وأن الاستدامة تحتاج إلى مرونة، وسيولة، ورقابة، وقدرة على اتخاذ قرارات صعبة في الوقت المناسب.

كما أدركت أن إنقاذ الشركات لا يبدأ من الحلول السريعة، بل من التشخيص الصادق للمشكلة، وفهم أسبابها الحقيقية، ثم إعادة بناء المنظومة بصورة تدريجية ومدروسة.

الدراسة والبحث والتحليل الاستراتيجي
08

من الخبرة العملية إلى المعرفة الأكاديمية

مع اتساع خبرتي في الإدارة والتجارة والتشغيل وتطوير الأعمال، أدركت أن التجربة العملية، رغم أهميتها، تحتاج إلى أساس علمي يساعد على تفسير الأسواق، وتحليل القرارات، وفهم العوامل الاقتصادية والإدارية التي تحكم نجاح الشركات واستمرارها.

لذلك اتجهت إلى التعليم المستمر والدراسات العليا في مجالات الإدارة والاقتصاد، وسعيت إلى الجمع بين الخبرة التنفيذية المتراكمة والمنهجية العلمية في التحليل والتخطيط واتخاذ القرار.

لم تكن الدراسة الأكاديمية بالنسبة لي غاية منفصلة عن العمل، بل كانت وسيلة لتطوير الأدوات التي أستخدمها في تحليل الفرص الاستثمارية، وإعداد دراسات الجدوى، وفهم الأسواق، وتقييم المخاطر، وبناء الخطط الاستراتيجية والتنفيذية.

التحول إلى الاستشارات وعرض دراسات الجدوى على المستثمرين
09

الانتقال إلى الاستشارات

مع مرور الوقت، تطورت خبرتي من إدارة الشركات والمشروعات إلى تقديم الاستشارات في تطوير الأعمال، وتأسيس الشركات، وإعداد دراسات الجدوى، وأبحاث السوق، والتخطيط الاستراتيجي والتشغيلي، وإعادة الهيكلة.

وكان مجال دراسات الجدوى من أكثر المجالات التي جذبت اهتمامي منذ وقت مبكر؛ فقد كنت أرى أن دراسة الجدوى الحقيقية لا ينبغي أن تكون مجرد أرقام وجداول أو تقرير يتم تسليمه للمستثمر، بل يجب أن تكون أداة لصناعة القرار، وخريطة تساعده على فهم السوق، وتقدير المخاطر، واختيار النموذج التشغيلي المناسب، وتحديد الطريق من الفكرة إلى التنفيذ.

لهذا عملت على تطوير نفسي باستمرار في هذا المجال، وكان هدفي أن أقدم دراسات واستشارات تجمع بين التحليل العلمي والخبرة العملية، وبين فهم الأرقام والقدرة على تحويلها إلى قرارات واقعية قابلة للتنفيذ.

فلسفة اليوم وبناء مشروعات ذات أثر مستدام
10

فلسفتي المهنية اليوم

اليوم، لا أنظر إلى دوري باعتباري مستشارًا يقدم توصيات فقط، بل شريكًا مهنيًا يشارك في بناء المشروع وتطويره.

يمتد دوري من تقييم الفكرة ودراسة السوق والجدوى، إلى وضع الخطط الاستراتيجية والتنفيذية، وتصميم الهيكل الإداري والتشغيلي، والمشاركة في التأسيس، ومتابعة التشغيل، وقياس النتائج، وإعادة الهيكلة عند الحاجة.

لقد بدأت رحلتي من أرض مصنع صغير، وسط عمليات تعبئة يدوية وهدر في الإنتاج، ثم انتقلت بين قطاعات ودول ومناصب وتجارب مختلفة، ومررت بأزمات نجاح وفشل ونمو وتراجع وإعادة بناء.

وقد علمتني هذه الرحلة أن القيمة الحقيقية لا تأتي دائمًا من وفرة الموارد، بل من القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وفهم المشكلة بعمق، وتحويلها إلى فرصة قابلة للتنفيذ.

ومنذ أول تجربة لي في تحويل هدر متراكم لم يُستغل من السكر الخام إلى قيمة اقتصادية، ظل هذا المبدأ يحكم مسيرتي المهنية: كل مشكلة تحمل داخلها فرصة، بشرط أن نمتلك القدرة على فهمها، والتخطيط لها، وتحويلها إلى قرار أو مشروع يصنع نتيجة حقيقية.
احجز جلسة استشارة واتساب
احجز جلسة استشارة واتساب